أبي حيان الأندلسي
393
البحر المحيط في التفسير
ومناسبة فَآتِ ذَا الْقُرْبى لما قبله : أنه لما ذكر أنه تعالى هو الباسط القابض ، وجعل في ذلك آية للمؤمن ، ثم نبه بالإحسان لمن به فاقة واحتياج ، لأن من الإيمان الشفقة على خلق اللّه ، فخاطب من بسط له الرزق بأداء حق اللّه من المال ، وصرفه إلى من يقرب منه من حج ، وإلى غيره من مسكين وابن سبيل . وقال الحسن : هذا خطاب لكل سامع بصلة الرحم ، وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ . وقيل : للرسول ، عليه السلام . وذو القربى : بنو هاشم وبنو المطلب ، يعطون حقوقهم من الغنيمة والفيء . وقال الحسن : حق المسكين وابن السبيل من الصدقة المسماة لهما . واحتج أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب . أثبت تعالى لذي القربى حقا ، وللمسكين وابن السبيل حقهما . والسورة مكية ، فالظاهر أن الحق ليس الزكاة ، وإنما يصير حقا بجهة الإحسان والمواساة . وللاهتمام بذي القربى ، قدم على المسكين وابن السبيل ، لأن بره صدقة وصلة . ذلِكَ : أي الإيتاء ، خَيْرٌ : أي يضاعف لهم الأجر في الآخرة ، وينمو مالهم في الدنيا لوجه اللّه ، أي التقرب إلى رضا اللّه لا يضره . ثم ذكر تعالى من يتصرف في ماله على غير الجهة المرضية فقال : وَما آتَيْتُمْ أكلة الربو ، ليزيد ويزكو في المال ، فلا يزكو عند اللّه ، ولا يبارك فيه لقوله : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ « 1 » . قال السدّي : نزلت في ربا ثقيف ، كانوا يعملون بالربا ، ويعمله فيهم قريش . وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وطاوس : هذه الآية نزلت في هبات ، للثواب . وقال ابن عطية : وما جرى مجراهما مما يصنع للمجازاة ، كالسلم وغيره ، فهو وإن كان لا إثم فيه ، فلا أجر فيه ولا زيادة عند اللّه . وقال ابن عباس أيضا ، والنخعي : نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم ، وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع به ، فذلك النفع لهم . وقال الشعبي قريبا من هذا وهو : أن ما خدم به الإنسان غيره انتفع به ، فذلك النفع لهم . وقال الشعبي أيضا قريبا من هذا وهو : أن لا يربو عند اللّه ، والظاهر القول الأول ، وهو النهي عن الربا . وقرأ الجمهور : وَما آتَيْتُمْ ، الأول بمد الهمزة ، أي وما أعطيتم ؛ وابن كثير : بقصرها ، أي وما جئتم . وقرأ الجمهور : ليربو ، بالياء وإسناد الفعل إلى الربا ؛ وابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وأبو رجاء ، والشعبي ، ونافع ، وأبو حيوة : بالتاء مضمومة ، وإسناد الفعل إليهم . وقرأ أبو مالك : ليربوها ، بضمير المؤنث .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 276 .